محمد حسين هيكل
73
حياة محمد ( ص )
المطلب استعدى أخواله بيثرب على عمه كي يردّوا عليه حقه . وأقبل ثمانون فارسا من خزرج يثرب لنصرته ، فاضطرّ نوفل إلى ردّ ماله إليه . وقام عبد المطلب في مناصب هاشم ، له السقاية والرّفادة من بعد عمه المطلب . وقد لقي في القيام بهذين المنصبين ، وبالسقاية بنوع خاص ، شيئا غير قليل من المشقة ؛ فقد كان يومئذ وليس له من الأبناء إلا ولده الحارث . وكانت سقاية الحاجّ يؤتى بها ، منذ نضبت زمزم ، من آبار عدّة مبعثرة حول مكة ، فتوضع في أحواض إلى جوار الكعبة . وكانت كثرة الولد عونا على تيسير هذا العمل والإشراف عليه . أمّا وقد ولي عبد المطلب السقاية والرّفادة وليس له ولد إلا الحارث فقد عنّاه الأمر وطال فيه تفكيره . حفر زمزم وكانت العرب ما تفتأ تذكر زمزم التي طمّها مضاض بن عمرو الجرهمي منذ قرون خلت ، وتتمنى لو أنها كانت لا تزال باقية . وكان عبد المطلب بطبيعة مركزه أكثرهم تفكيرا في هذا الأمر وأشدّهم تمنيا أن يكون . ولقد ألحّ الرجاء به حتى كان يهتف به الهاتف أثناء نومه يحضّه على أن يحفر البئر التي تفجّرت تحت أقدام جدّه إسماعيل . وألح الهاتف يدلّه على مظانّ وجودها ؛ وألحّ هو باحثا عن زمزم حتى اهتدى إليها بين الوثنين إساف ونائلة . وجعل يحفر مستعينا بابنه الحارث حتى نبع الماء وظهرت غزالتا الذهب وأسياف مضاض الجرهميّ وأرادت قريش أن تشارك عبد المطلب في البئر وفيما وجد فيها . فقال لهم : لا ! ولكن هلمّ إلى أمر نصف بيني وبينكم : نضرب عليها بالقداح نجعل للكعبة قدحين ، ولي قدحين ، ولكم قدحين ، فمن خرج قدحاه على شيء كان له ، ومن تخلّف قدحاه فلا شيء له ؛ فارتضوا رأيه . ثم أعطوا القداح صاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل في جوف الكعبة ، فتخلف قدحا قريش وخرجت الأسياف لعبد المطلب والغزالتان للكعبة . فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة ، وضرب في الباب غزالتي الذهب حلية للبيت الحرام . وأقام عبد المطلب في سقاية الحاجّ بعد أن يسّرتها زمزم له . النذر والوفاء به وأحس عبد المطلب قلة حوله في قومه لقلة أولاده ، فنذر إن ولد له عشرة بنين ثم بلغوا معه أن يمنعوه من مثل ما لقي حين حفر زمزم لينحرنّ أحدهم للّه عند الكعبة . وتوافى بنوه عشرة آنس فيهم المقدرة على أن يمنعوه ؛ فدعاهم إلى الوفاء بنذره فأطاعوا . وفي سبيل هذا الوفاء كتب كل واحد من الأبناء اسمه على قدح ، وأخذها عبد المطلب وذهب بها إلى صاحب القداح عند هبل في جوف الكعبة . وكانت العرب كلما اشتدّت بها الحيرة في أمر لجأت إلى صاحب القداح كي يستفتي لها كبير الآلهة الأصنام عن طريق القداح . وكان عبد اللّه بن عبد المطلب أصغر أبنائه وأحبّهم لذلك إليه . فلمّا ضرب صاحب القداح القداح التي عليها أسماء هؤلاء الأبناء ليختار هبل من بينها من ينحره أبوه ، خرج القدح على عبد اللّه ، فأخذ عبد المطّلب الفتى بيده وذهب به لينحره حيث كانت تنحر العرب عند زمزم بين إساف ونائلة . إذ ذاك قامت قريش كلها من أنديتها تهيب به أن لا يفعل ، وأن يلتمس عن عدم ذبحه عند هبل عذرا . وتردّد عبد المطلب لدى إلحاحهم . وسألهم ما عساه يفعل لترضى الآلهة ؟ قال المغيرة بن عبد اللّه المخزومي : إن كان فداؤه بأموالنا فديناه . وتشاور القوم واستقرّ رأيهم على الذهاب إلى عرّافة بيثرب لها في مثل هذه الأمور رأي . وجاؤوا العرّافة ، فاستمهلتهم إلى الغد ثم قالت لهم كم الديّة فيكم ؟ قالوا : عشر من الإبل . قالت : فارجعوا إلى بلادكم ثم تقرّبوا وقرّبوا عشرا من الإبل ثم اضربوا عليه وعليها بالقداح ، فإن خرجت على صاحبكم : فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم . وقبلوا ، وجعلت القداح تخرج على عبد اللّه فيزيدون في الإبل حتى بلغت مائة ؛ عند ذلك خرجت القداح على الإبل .